المقالاتطاقة ونقل

الانتقال الطاقى

 

بقلم : د. مجدى عبدالله

 

يعتبر الانتقال الطاقي تغييرًا جذرياً في عملية إنتاج الطاقة واستهلاكها، فهو أحد مكونات التحول البيئي الذى يمثل التحول من نظام الطاقة الحالي القائم على استخدام مصادر الطاقة غير المتجددة، إلى مزيج من أنظمة الطاقة المعتمدة بشكل أساسي على المصادر المتجددة، ويشمل ذلك بدائل للوقود الأحفوري والموارد المحدودة وغير المتجددة والاستعاضة عنها بمصادر الطاقة المتجددة لاستخدامها في جميع الأنشطة البشرية تقريباً مثل النقل والصناعة والإضاءة والتدفئة وما إلى ذلك، ويهدف الانتقال الطاقي إلى تقليل كمية الطاقة المستهلكة عن طريق تحسين كفاءة استخدام الطاقة وتغيير أنماط الحياة فهو تحول سلوكي واجتماعي .

والانتقال الطاقى فى معناه الصحيح هو الانتقال الطاقي الكربوني من طاقة البترول والغاز الطبيعى والفحم الى طاقات نظيفة وآمنة، مثل الطاقة الشمسية (الحرارية أو الضوئية)، وطاقة الرياح، والطاقة المائية، والطاقة الحرارية الأرضية، والمد والجزر، فهى لا تلوث البيئة وتحافظ على الصحة العامة للكائنات الحية، اقتصادية في كثير من الاستخدامات، تستخدم تقنيات غير معقدة ومصادرها متوفرة في معظم دول العالم. كما يشتمل التحول في مجال الطاقة على الانتقال جزئيا من نموذج مركزي تهيمن عليه محطات توليد الكهرباء الكبيرة، إلى هيكل لامركزي يعطي حصة أكبر للطاقات المتجددة التي توفر شبكات الجهد المنخفض والمتوسط .

ويهدف الانتقال الطاقى الى الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة المسؤولة عن الاحتباس الحراري والتحول إلى نظام طاقة أكثر أمانا وحماية من المخاطر، والتحرك صوب انخفاض استهلاك الطاقة (الكفاءة، وكفاءة الطاقة)، الحد من التوترات الجيوسياسية الناتجة عن عدم المساواة في الحصول على الطاقة، وانخفاض توفر الطاقة لكل شخص بهدف توفير الطاقة للجميع، وحماية الصحة العامة مع ضمان المزيد من الوظائف المحلية وتوزيعها بشكل أفضل، وفى نفس الوقت الحفاظ على الموارد المحدودة مثل النفط والغاز الطبيعي والفحم والتي يتم استنزاف احتياطاتها، وانخفاض المخاطر الاقتصادية المرتبطة بنقص الطاقة أو حتى أزمة الطاقة.

وقد بدأ العديد من البلدان المتقدمة والنامية في تطوير طاقاتها المتجددة بطريقة هائلة نظراً لطبيعة الوقود الاحفوري المحدودة وسعره المتزايد باستمرار والاحتباس الحراري، وتؤدي اللامركزية في إنتاج الطاقة إلى زيادة استقرار الشبكة فيمكن إصلاح العطل الذي يحدث على وحدات إنتاج فردية صغيرة بسهولة أكبر من عطل رئيسي، وقد تكون هناك حاجة لتكنولوجيات مثل الشبكة الذكية أو التحكم في الوقت الحقيقي لدرجة حرارة خطوط الكهرباء، ويجب ألا تؤدي إمدادات الطاقة بعد الآن إلى أي انبعاثات لثاني أكسيد الكربون من أجل الحد من الارتفاع العالمي إلى 2 درجة مئوية وتجنب أي عواقب لا يمكن التنبؤ بها على المناخ بحلول 2040-2050.

وتعد الصين أكبر الدول في حجم انبعاثات الغازات الدفيئة كنتيجة لاستخدامات الفحم فى الأغراض الصناعية وتوليد الطاقة، والغازات الدفيئة هي غازات توجد في الغلاف الجوي تتميز بقدرتها على امتصاص الأشعة التي تفقدها الأرض فتقلل ضياع الحرارة من الأرض إلى الفضاء، مما يساعد على تسخين جو الأرض وبالتالي تساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري والاحترار العالمي وأهمها غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراق مليارات الأطنان من الوقود سواء من المنشآت الصناعية أو محطات الطاقة أو وسائل المواصلات حيث ينطلق كل عام ما يزيد عن 20 مليار طن CO2، وقد انتهت اللجنة الدولية للتغيرات المناخية إلى أن غازات الدفيئة الناتجة عن الممارسات البشرية هي المسؤولة عن معظم ارتفاع درجة الحرارة الملاحظة منذ منتصف القرن العشرين.

فنجد دولة مثل ألمانيا تتجه نحو وقف تدريجي لاستخدام الفحم في الصناعة وانتاج الكهرباء حتى عام 2038، والصناعة مصطلح يرادف القطاع الاقتصادي ويشير إلى الصناعات الاستخراجية والصناعات التحويلية، ولكنه اليوم يشمل أيضا تقديم أي خدمة أو منتج مقابل ربح، مثل الصناعة المصرفية.

ويعد اتفاق المجتمع الدولى على إنشاء الوكالة الدولية للطاقة المتجددة IRENA لتشجيع الاعتماد على الطاقة المتجددة فى كل دول العالم هو خطوة لتعزيز التوسعات فى الاستخدام المستدام للطاقات المتجددة سواء كانت طاقة شمسية أو من الرياح أو مساقط المياه أو من حرارة باطن الأرض أو المد والجزر وجميعها تهدف لتأكيد حماية البيئة. وهي منظمة حكومية دولية تدعم البلدان في انتقالها نحو مستقبل مستدام للطاقة وتعمل كمنصة رئيسية للتعاون الدولي، ومركزا للتميز، ومستودعا للسياسة والتكنولوجيا والموارد والمعرفة المالية في مجال الطاقة المتجددة، وتشجع الدول الأعضاء على تبني جميع أشكال الطاقة المتجددة على نطاق واسع وبصورة متزايدة وتيسير الحصول عليها واستخدامها على نحو مستدام، وذلك فى سعيها لتحقيق النمو الاقتصادي منخفض الكربون.

وقطاع الكهرباء فى أى دولة يعتبر من الركائز الأساسية في تنمية العديد من المجالات الحيوية، فالكهرباء أحد مقايس تقدم ورفاهية الشعوب، وطبقا لتقرير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة لعام 2017 فإنه تم توليد رقم قياسي من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بلغ 178 جيجاوات، وكانت الإضافات فى الطاقة الشمسية الضوئية وحدها أكبر من الإضافات في الفحم والغاز الطبيعي والطاقة النووية، وقد استحوذت الصين وأوروبا والولايات المتحدة على ما يقرب من 75٪ من الاستثمار العالمي في الطاقة المتجددة وأنواع الوقود لعام 2017، حيث يمثل حساب التدفئة والتبريد نسبة 48٪ من الاستخدام النهائي للطاقة المتجددة، والنقل بنسبة 32 ٪ أما الكهرباء فبنسبة 20 ٪.

وتفاعلا مع ديناميكية آليات التنمية في مصر، نجد أن سياسات وتشريعات الطاقة المتجددة تواكب احتياجات قطاعات الاستهلاك وذلك تعظيماً لثرائها  فى مصادر طاقتى الرياح والشمس، مستهدفة انتاج 20% من الطاقة الكهربائية النظيفة بحلول عام 2022 ، ومضاعفة هذه النسبة  لتكون 42% بحلول عام 2035 ، مع مشاركة أساسية للقطاع الخاص والتى تتطلب التطوير المستمر لآليات دمجه في نسيج الطاقة الوطنى.

وطبقا لتقرير هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة لعام 2018 نجد ان مجموع قدرات الطاقة الجديدة المنتجة فى مصر 4100 ميجاوات مقسمة الى 2832 ميجاوات من الطاقة المائية ، 1000 ميجاوات من طاقة الرياح بالإضافة لمشروعات تحت التنفيذ بقدرة 370 ميجاوات ومشروعات تحت الدراسة بقدرة 700 ميجاوات ؛ 312 ميجاوات من الطاقة الشمسية بالإضافة لمشروعات تحت التنفيذ بقدرة 2000 ميجاوات وأخرى تحت الدراسة بقدرة 770 ميجاوات .

وهذا ما أوضحه الدكتور محمد شاكر وزير الكهرباء فى تصريحاته فى المؤتمر الأخير للوكالة الدولية للطاقة المتجددة عن اهتمام مصر فى سياستها لتحقيق أمن الطاقة من خلال تشجيع مشاركة القطاع الخاص على الاستثمار فى مجالات الطاقة المتجددة، حيث ينعكس ذلك من خلال عدة محاور مثل الإعلان عن برنامج إصلاح التعريفة الكهربائية والذى تم تمديده لفترة 3 سنوات لتخفيف الأعباء على المواطنين، كذلك تعديل قانون إنشاء هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة بما يتيح لها إمكانية إنشاء شركات بمفردها أو بالشراكة مع القطاع الخاص، كذلك إصدار قانون لتحفيز الاستثمار فى مجال الطاقات المتجددة، هذا بجانب إتاحة المساحات من الأراضى بالمناطق الغنية بالطاقات المتجددة ؛ ويعد ذلك بمثابة خطط طموحة لتحقيق أمن الطاقة بحيث تصل وفق خطتها  إلى مشاركة الطاقة المتجددة فى مزيج الطاقة بنسبة 42% بحلول عام 2035 .

ووفق مؤشرات البنك الدولى اعتبرت مصر من ضمن ثلاثة دول ( تونس – الإمارات – مصر )   أحدثت تطورات فى الأطر التنظيمية للطاقة المتجددة فى الفترة ما بين 2010 – 2017، حيث تهدف مصر إلى تفعيل التعاون الإقليمى فى مجال الطاقة الكهربائية لتحقيق تنمية إقليمية مستدامة من خلال الربط الكهربائى مع دول الجوار شرقا مع الأردن، وغربا مع ليبيا، وجنوبا مع السودان، وتوقيع مذكرة تفاهم للربط الكهربائى مع قبرص واليونان فى أوروبا، وبذلك يكون الربط مع أفريقيا وأوروبا محفز على استيعاب الطاقات الكهربائية الضخمة التى سيتم انتاجها من مصادر الطاقات المتجددة فى القارة السمراء.

 

الوسوم