بقلم / ماهر مقلد
في لقاء تلفزيوني اتسم بالعمق والاعتزاز بالهوية، تجلى الإبداع العربي والمصري في أبهى صوره حينما تم طرح تساؤل مثير للجدل حول أثمن ما تملكه الحضارة الإنسانية. لم يكن الإنجاز في نظر الدكتور طلال أبوغزاله المفكر العربى مجرد أرقام اقتصادية جامدة، بل تمثّل في رؤية استثنائية ترى أن “الأهرامات في مصر هي أعظم اختراع في تاريخ البشرية، يليها مباشرة في الابتكار والعبقرية الفنية.. كوكب الشرق أم كلثوم وكأنما تلخص هذه الرؤية قيمة مصر الكامنة في عمقها التاريخي وإبداعها الفني الذي لا يضاهى.
الإدارة بالتقارير.. ومنهج الشراكة في العمل
انتقل الحوار بعد ذلك إلى استعراض أسلوب القيادة المتميز في إدارة “مجموعة طلال أبوغزاله العالمية”، حيث أوضح الدكتور طلال أسلوبه الإداري قائلًا:
”لدي قيادات واعدة في العمل، وكلهم قادرون على إدارة مهامهم بكفاءة، ولذلك أنا لا أتدخل في تفاصيل عملهم اليومية ولا أفرض قراراتي. طريقتي في الإدارة تعتمد بالكامل على التقارير؛ لا أحضر إلى العمل كل يوم لأملي على هذا أو ذاك ما يجب فعله، بل أستلم التقارير من كافة المؤسسات، وبناءً عليها أرسل آرائي واقتراحاتي.”
وعند سؤاله عما إذا كان يذهب إلى المكتب يوميًا، أجاب بعفوية مستنكرًا الفراغ: “بالتأكيد، أليس هذا هو الطبيعي؟ إلى أين يذهب المرء إن لم يذهب إلى عمله؟”
فلسفة الراحة.. هل العمل مؤذٍ للصحة؟
ليرد الدكتور طلال بتساؤل فلسفي: “ما معنى كلمة يرتاح؟ لم ينجح أحد حتى اليوم في شرح معناها لي!”
وحين حاولت المذيعة لبنا حسب الله مقدمة برنامج كلام بيزنس على سى أن أن عربية تقريب الصورة بذكر تجربة شخصية عن العطاء والراحة في محيط الأسرة والأحفاد، أو قراءة الكتب وكتابة المذكرات، عقّب الدكتور طلال مؤكدًا أن هذه الأنشطة هي في حد ذاتها “عمل آخر”، وتساءل: “إذا كان المرء يجد راحته وسعادته داخل المكتب، فلماذا يتركه ليذهب إلى مكان آخر؟
مشدداً على أن الراحة المطلقة مضرة بالصحة، وموضحاً ذلك علمياً ومنطقياً:
”أي عضو في جسد الإنسان يتلف ويصاب بالخمول إذا لم يُستعمل باستمرار. انظروا إلى القلب؛ إنه الجزء الأكثر جهداً في الجسم، يضخ الدم على مدار 24 ساعة دون توقف، فهل يجرؤ أحد أن يطلب من قلبه أن يرتاح؟ إذا ارتاح القلب.. نموت!
وفي السياق ذاته، أكد الحوار على أهمية أن يظل الإنسان تلميذاً طوال عمره مهما بلغ من ثراء أو نجاح، مشيراً إلى أن هذا هو السر الحقيقي وراء النجاحات العظيمة، .
أما عن كيفية التعامل مع تحديات العمل، جاءت رؤية الدكتور طلال مغايرة تماماً للمألوف، حيث يرى في المشاكل مصدراً للمتعة وليس للألم:
”الحياة بلا مشكلات تصبح مملة ورتيبة. عندما يأتيني أحد المدراء بوجه شاحب ليقول لي، لدينا مشكلة’، أرد عليه فوراً: ! يا أهلاً بأجمل الأخبار!’. يسعدني جداً أن تطرح أمامي المشاكل لأن وظيفتي الأساسية هي حلها، وعندما ننجح في تجاوزها، نشعر بمتعة الإنجاز وحلاوة النجاح. المشاكل هي حركة، والحركة هي الحياة.”
وفي حديث انتقل إلى السعادة والنجاح، رسّخ الدكتور طلال عقيدة هامة وهي أن “السعادة قرار”، وكذلك النجاح؛ فالله سبحانه وتعالى لم يكتب على شخص أن يكون تعيساً بل منحنا حرية الإرادة لنقرر مصيرنا ونكون سعداء بما وهبنا وبما نسعى خلفه.
ومن هذا المنطلق، أعاد تعريف مفهوم “الثروة الحقيقية” للمؤسسات الحديثة. فعندما سُئل عن التقييم المالي والفعلي لمؤسسته، أوضح قائلاً:
”نحن مؤسسة فكر؛ كل ما نملكه هو أعمال وأفكار. لا توجد لدينا مصانع، ولا منتجات مادية، ولا مخازن بالمعنى التقليدي. القيمة الحقيقية تكمن في ‘اسمنا’ وفي الملكية الفكرية.”
ورغم إشارة المذيعة إلى الواقع الملموس للمجموعة، وامتلاكها لأجهزة إلكترونية، ومصانع، ونحو 140 شركة، و100 مكتب منتشرة حول العالم كقيمة مادية ومعنوية هائلة على أرض الواقع، أصرّ على المنطلق المعرفي للمؤسسة موضحاً:
”لقد بدأنا عام 1972 بالتركيز الكامل على الملكية الفكرية. وبحلول عام 1982—أي بعد عشر سنوات فقط—أصبحنا أكبر شركة في العالم في هذا مجال. واليوم، نحن لسنا الأكبر فحسب، بل الأكبر بمراحل شاسعة؛ لدرجة أن أي منافس يريد اللحاق بنا يحتاج إلى الركض لـ 100 سنة قادمة حتى يصل إلى ما حققناه.”
قيمة المليارات في عالم رقمي.. قاعدة بيانات بلمسة زر
وعن القيمة المالية لهذه الإمبراطورية الفكرية، والتي تُقدّر بالمليارات، يرى أبوغزاله أن تقييم الأمور بالبضائع والموجودات التقليدية لم يعد مجدياً في العصر الرقمي:
”لا توجد بضاعة مادية لتقييمها، القيمة الحقيقية هي الفكر والمعلومات المخزنة. خذوا على سبيل المثال قاعدة البيانات الضخمة التي نملكها في ‘أبوغزاله للملكية الفكرية’—وهي الشركة الرائدة عالمياً حتى في أمريكا والصين—بضغطة زر واحدة داخل هذا النظام الرقمي، يظهر لك فوراً ما إذا كان الاسم أو العلامة مسجلاً في اليابان، أو ألمانيا، أو موسكو، أو أي بقعة في العالم. هذه
حاولت المذيعة جاهدة محاصرة ضيفها رقمياً، متسائلة بنبرة تحدٍّ ذكية: “كم تبلغ القيمة الإجمالية لثروتك دكتور طلال؟ لن أتركك دون إجابة!”. وبعد اعتراف طريف وعفوي بأنه شعر ببعض الكسل واستيقظ بصعوبة ذلك الصباح، واجه السؤال بضحكة ساخرة وممتدة، ليعلق بداعابة غير متوقعة
”أنا شخص ليس لدي فلوس بالمعنى الذي يظنه الناس.
وعندما سألته المذيعة مستغربة: “وأين تذهب الأرباح والإيرادات الكبرى إذن؟”اختتم الدكتور طلال أبوغزاله حواره بوضع النقاط فوق الحروف حول رؤيته للاستدامة، مشيراً إلى أن كل العوائد لا تُكنز، بل يتم إعادة استثمارها بالكامل في ودائع ومشاريع تخدم تطوير الفكر المعرفي، محذراً بنبرة جادة من أن العالم ومؤسساته يواجهون حالياً أزمات اقتصادية متتالية، تستوجب دائماً تحويل الأموال إلى استثمارات معرفية مستدامة بدلاً من الأصول الجامدة



